قراءة في صفات الشخص المُحقق لذاته كما لخصها ماسلو
تساءل كثيرون عبر الزمن:
من هو الإنسان الذي يستطيع أن يحقق ذاته فعلًا؟
وهل تحقيق الذات حالة مثالية نادرة، أم مسار نفسي يمكن للإنسان أن يقترب منه مع الوقت والنضج؟
حاول عالم النفس الإنساني أبراهام ماسلو الإجابة عن هذا السؤال من خلال دراساته للأشخاص الذين رأى أنهم وصلوا إلى مستوى متقدم من النضج النفسي والإنساني، وأطلق على هذه المرحلة اسم تحقيق الذات.
صفات الإنسان المُحقق لذاته
يرى ماسلو أن الأشخاص الذين يحققون ذواتهم يتميزون بمجموعة من الخصائص النفسية والسلوكية، من أبرزها قدرتهم على إدراك الواقع كما هو، دون تهويل أو إنكار، مع تقبلهم لحالة التذبذب الطبيعية بين الشك واليقين. فهم لا يبحثون عن يقين مطلق، بل عن فهم عميق ومتزن للحياة.
كما يتسم هؤلاء الأفراد بتقبلهم لأنفسهم وللآخرين كما هم، دون حاجة دائمة للتغيير أو السيطرة، ويظهر عليهم قدر عالٍ من التلقائية في التفكير والسلوك، بعيدًا عن التصنّع أو الأدوار الاجتماعية المفروضة.
ومن السمات الجوهرية أيضًا أن اهتمامهم ينصب على القضايا والمشكلات والمعنى، أكثر من انشغالهم بأنفسهم أو بصورتهم أمام الآخرين. وغالبًا ما يمتلكون حسًّا صحيًا من الفكاهة والسخرية، ليس من باب الاستهزاء، بل كوسيلة لفهم تعقيدات الحياة والتخفيف من ثقلها.
ويُلاحظ على الشخص المُحقق لذاته ميله للإبداع والابتكار، مع مقاومة واعية للامتثال الأعمى للتقاليد السائدة، دون أن يعني ذلك الانعزال أو التصلب الفكري. كما يهتم بسعادة الإنسان والبشرية بشكل عام، وليس فقط بمصالحه الفردية.
ويمتاز هؤلاء الأشخاص بقدرتهم على التقدير العميق للتجارب الأساسية في الحياة، مثل الحب، الفقد، الإنجاز، والمعاناة، ويقيمون علاقات إنسانية عميقة ومشبعة مع عدد محدود من الأشخاص، بدل السعي لعلاقات سطحية واسعة. كذلك ينظرون إلى الحياة بنظرة موضوعية، تسمح لهم برؤية الأمور بواقعية واتزان.
السلوكيات المؤدية إلى تحقيق الذات
لا يكتفي ماسلو بوصف الصفات، بل يوضح أن تحقيق الذات يرتبط بسلوكيات معينة، مثل عيش الحياة باندماج واهتمام كامل، أشبه بتجربة الطفل الذي يعيش اللحظة بصدق. ويؤكد على أهمية تجربة الجديد وعدم التعلق الأعمى بالماضي، مع الاستماع للصوت الداخلي في تقييم التجارب، بدل الخضوع للتقاليد أو سلطة الأغلبية.
ويتميّز الشخص الساعي لتحقيق ذاته بالإخلاص والابتعاد عن التظاهر، والاستعداد لتحمّل عدم القبول الاجتماعي إذا تعارض مع قناعاته، إلى جانب تحمّل المسؤولية عن قراراته والعمل بجدية فيما يختاره.
ومن أعمق هذه السلوكيات قدرته على مواجهة ذاته بصدق، من خلال استكشاف عيوبه ودفاعاته اللاشعورية، والتحلي بالشجاعة للعمل على تجاوزها بدل إنكارها.
تحقيق الذات، وفق تصور ماسلو، ليس كمالًا مطلقًا ولا حالة ثابتة، بل مسار إنساني يتطلب وعيًا، شجاعة، وصدقًا مع النفس. وهو طريق لا يُقاس بالإنجازات الخارجية فقط، بل بمدى انسجام الإنسان مع ذاته، ومع الحياة من حوله