حين لا تعرف ماذا تريد: قراءة نفسية في الحيرة وبناء المعنى
الشعور بعدم معرفة الهدف: هل هو ضعف أم مرحلة طبيعية؟
“ما أعرف ماذا أريد أو ما هي أهدافي.”
هذه الجملة تتردد كثيرًا في العيادات النفسية، وفي جلسات التأمل الذاتي، وحتى في لحظات الصمت اليومية.
ورغم شيوعها، إلا أنها تُساء فَهمها غالبًا؛ إذ يُنظر إليها على أنها دليل ضعف أو فشل، بينما يوضح علم النفس أنها حالة نفسية طبيعية يمر بها الإنسان في مراحل متعددة من حياته، خاصة عند تزايد الضغوط، وكثرة الخيارات، وتعارض التوقعات الاجتماعية.
عدم وضوح الأهداف من منظور علم النفس
من منظور علم النفس الإكلينيكي والتنموّي، يظهر الشعور بالحيرة وعدم وضوح الهدف غالبًا خلال فترات إعادة تقييم الذات وبناء الهوية النفسية.
وهذا لا يعني التوقف أو التعطل، بل العكس تمامًا:
إنه مؤشر على أن العقل والنفس في حالة عمل داخلي نشط، يعيدان ترتيب الأولويات والقيم.
فالإنسان لا يكتشف أهدافه فجأة، بل يصل إليها تدريجيًا من خلال:
- التجربة
- الملاحظة
- التفاعل مع الواقع
- مراجعة الذات بعد كل مرحلة
لماذا لا يكون الوضوح كاملًا دائمًا؟
يعتقد كثير من الناس أن وجود هدف واضح شرط أساسي للاستقرار النفسي، لكن الحقيقة أن الوضوح الكامل نادر في المراحل الانتقالية من الحياة.
العقل بطبيعته يبحث عن إجابات نهائية وسريعة، بينما النفس الإنسانية تنمو على مراحل.
ما تريده اليوم قد لا يكون ما تحتاجه غدًا،
وهذا التغير لا يُعد خللًا نفسيًا، بل علامة على النضج والتطور الداخلي.
أثر الاستعجال في تحديد الهدف على الصحة النفسية
إجبار النفس على الوصول لإجابة جاهزة حول “ماذا أريد؟” قد يؤدي إلى:
- زيادة القلق
- تعميق الإرباك
- اتخاذ قرارات غير متوافقة مع الذات الحقيقية
في المقابل، التقدّم بخطوات صغيرة ومتدرجة — مهما بدت بسيطة — يخلق مسارًا نفسيًا أكثر استقرارًا.
فكل تجربة، وكل قرار، وكل محاولة تضيف طبقة جديدة لفهم الذات، حتى وإن لم تكن النتائج مثالية.
ما الذي يحتاجه الإنسان في مرحلة الحيرة؟
في مرحلة عدم وضوح الهدف، يحتاج الإنسان إلى:
- مساحة آمنة للتفكير والتأمل دون ضغط
- إصغاء صادق لمشاعره، بعيدًا عن إرضاء الآخرين
- تقبّل فكرة أن عدم المعرفة حالة مؤقتة، لا دائمة
التوقف الكامل بدافع الخوف لا يقود إلى الوضوح، بل يعلّقه.
بينما التجربة العملية — حتى في أبسط صورها — تكشف الميول، وتوضح الحدود، وتعيد تعريف ما يناسبك فعلًا.
أدوات نفسية تساعد على اكتشاف الذات والهدف
تشير الدراسات النفسية إلى أن بعض الأدوات البسيطة تُعد فعالة في رحلة اكتشاف الذات، مثل:
- تدوين الأفكار والمشاعر: يساعد على تنظيم الداخل وكشف الأنماط المتكررة
- الحديث مع أشخاص موثوقين: لأن الحوار أحيانًا يوضح ما تعجز الأفكار الصامتة عن ترتيبه
- إعادة تعريف الفشل: باعتباره جزءًا طبيعيًا من التعلم، لا دليلًا على الخطأ أو القصور
الهدوء الداخلي ودوره في وضوح الهدف
مع الوقت، يصبح الهدوء الداخلي عاملًا أساسيًا في التمييز بين:
- ما نريده فعلًا
- وما اعتقدنا أننا نريده تحت ضغط المجتمع أو التوقعات
فالأهداف لا تُكتشف بالصخب،
ولا تُبنى بالقفزات الكبيرة،
بل تتشكل عبر الصدق مع الذات، والخطوات الواضحة، والتقدم المتدرج.
في النهاية،
الشعور بعدم معرفة الهدف ليس علامة ضياع،
بل بداية رحلة نفسية إيجابية نحو:
- وضوح أعمق
- وعي أعلى بالذات
- اتصال أكثر صدقًا مع النفس
وحين تمنح نفسك الإذن بالتجربة، ستكتشف أن الطريق لا يُرسم قبل السير فيه…
بل يتشكّل خطوة بخطوة
بقلم /عواطف الشمراني