في السنوات الأخيرة صار الحديث عن الإيجابية واسعًا لدرجة أن كثيرًا من الناس بدأوا يخلطون بين ما يدعم النفس فعلًا، وما يضغطها بهدوء وهي لا تشعر. الإيجابية في أصلها قدرة نفسية على مواجهة الواقع دون إنكار، وعلى رؤية الاحتمالات دون تزوير الشعور. لكنها حين تُفصل عن المشاعر، وتُمارس كقناع ثابت، تتحول من أداة حماية إلى عبء داخلي.
الإنسان في لحظة الحزن لا يحتاج إلى إنكار حزنه حتى يكون متوازنًا. الجهاز العصبي بطبيعته يتفاعل مع الفقد، الخسارة، الإحباط، والخذلان على شكل انفعالات واضحة. هذه الانفعالات ليست خللًا، بل استجابة بيولوجية ونفسية طبيعية. عندما يُجبر الشخص نفسه على الظهور بمظهر السعيد المتماسك وهو من الداخل يشعر بالاختناق، يحدث انفصال دقيق بين التجربة الداخلية والصورة الخارجية. هذا الانفصال هو ما تسميه الدراسات النفسية بالإجهاد الانفعالي المزمن، حيث يستمر الجسد في حمل المشاعر التي لم يُسمح لها بالظهور.
قد نرى شخصًا يمر بأزمة حقيقية؛ علاقته تنهار، أو مشروعه يفشل، أو يتلقى خبرًا يهز شعوره بالأمان. في الداخل هناك حزن واضح، غضب مكبوت، وأسئلة وجودية ثقيلة. لكنه في الخارج يبتسم، يكرر عبارات الامتنان، يوافق على كل شيء رغم رفضه الداخلي، ويقنع نفسه أن التعبير عن الضيق ضعف لا يليق به. هذا النمط، رغم أنه يبدو صلابة، تبيّن الأبحاث أنه يرفع مستوى التوتر الفسيولوجي ويزيد من نشاط هرمونات الضغط مثل الكورتيزول، ويضعف القدرة على تنظيم المشاعر مع الوقت.
ما يحدث في التفكير الإيجابي الحقيقي مختلف تمامًا. الشخص نفسه، في الأزمة ذاتها، يعترف أولًا بما يشعر به دون تهويل أو جلد للذات. لا ينكر حزنه ولا يخاف منه. يسمح لنفسه أن يجلس مع الشعور، يكتبه، يرسمه، أو يتحدث عنه، وهو واعٍ أن هذه الحالة مؤقتة. إدراكه للفشل لا يتحول إلى تعريف للذات، بل يبقى حدثًا منفصلًا يمكن فهمه وتجاوزه. هذا القبول لا يغرقه في السلبية، بل يفتح مساحة عقلية للحلول، لأن الدماغ عندما لا يكون في حالة مقاومة، يصبح أكثر قدرة على التفكير المرن واتخاذ القرار.
الدراسات في علم النفس المعرفي تشير إلى أن الأشخاص الذين يتقبلون مشاعرهم السلبية دون إنكار يظهر لديهم مستوى أعلى من المرونة النفسية، وقدرة أفضل على التعافي بعد الأزمات. بينما الأشخاص الذين يفرضون على أنفسهم إيجابية قسرية غالبًا ما يعانون لاحقًا من أعراض قلق غير مفسّرة، أو تعب نفسي يظهر على شكل أرق، توتر جسدي، أو شعور بالفراغ.
الإيجابية السامة لا تقول “أنا بخير” لأنها بخير فعلًا، بل لأنها تخاف من الاعتراف بأنها ليست كذلك. هي دفاع صامت ضد الضعف، وضد فكرة أن المشاعر السلبية جزء طبيعي من التجربة الإنسانية. في المقابل، التفكير الإيجابي الصحي لا يخجل من الحزن، ولا يرى فيه تهديدًا للهوية أو القيمة الذاتية. هو يدرك أن القوة لا تعني الصمت، وأن التماسك لا يعني الإنكار.
الفرق الجوهري هنا ليس في المشاعر ذاتها، بل في العلاقة معها. الإيجابي يسمح للمشاعر أن تمر دون أن تسيطر، بينما الإيجابية السامة تحاول منعها من الوجود، فتعود بأشكال أشد قسوة. ولهذا، فإن الصحة النفسية لا تُبنى على الابتسام الدائم، بل على الصدق الداخلي، وعلى القدرة على احتواء التجربة كاملة كما هي، دون تزييف أو قسوة على الذات.
بقلم /عواطف الشمراني