العلاج بالفكاهة: حين يصبح الضحك لغة خفية للشفاء

8 يناير 2026
Awatif alshmrani
العلاج بالفكاهة: حين يصبح الضحك لغة خفية للشفاء

لم يكن الضحك يومًا مجرد فعل عابر أو ردّة فعل بسيطة على موقف طريف، بل كان – عبر التاريخ – إشارة إنسانية عميقة على الحياة، والقدرة على الاحتمال، والاستمرار رغم الألم. من هنا وُلد ما نعرفه اليوم باسم العلاج بالفكاهة (Humor Therapy)، ذلك الأسلوب الذي لا يواجه المرض بالقسوة، بل يلتف حوله بلطف، ويُدخل إلى التجربة العلاجية شيئًا من الخفة التي يفتقدها المريض في لحظات ضعفه.


في القرن الرابع عشر، وبينما كان الطب لا يزال قاسيًا في أدواته ومحدودًا في فهمه للنفس البشرية، كتب الجراح الفرنسي Henri de Mondeville كلمات بدت حينها أقرب إلى الفلسفة منها إلى الطب. كان يرى أن شفاء المريض لا يكتمل دون الاهتمام بسعادته، وأن على الجراح أن يهيئ للمريض بيئة إنسانية تحيطه بأشخاص إيجابيين، يملكون روح الدعابة والقدرة على إدخال السرور إلى قلبه. لم يتحدث عن دواء أو مشرط، بل عن الضحك بوصفه عنصرًا داعمًا للحياة.


بعد ذلك بقرون، وفي القرن السادس عشر، ظهر Martin Luther ليؤكد الفكرة ذاتها من زاوية نفسية وروحية. كان يرى أن الاكتئاب لا يُقاوم بالعزلة، بل بالصحبة، وبالحديث، وبالمزاح البسيط الذي يخفف ثقل الأفكار. دعا المصابين بالحزن إلى الاقتراب من أصدقاء قادرين على إضحاكهم، وكأنه كان يدرك intuitively أن الضحك يفتح نافذة صغيرة يدخل منها الضوء إلى النفس المرهقة.


ومع دخول القرن العشرين، بدأ هذا الفهم الإنساني يأخذ شكله العملي. في ثلاثينيات القرن الماضي، لاحظ الأطباء في بعض المستشفيات أن الأطفال المرضى، وخصوصًا المصابين بشلل الأطفال، كانوا أكثر هدوءًا وتعاونًا حين يزورهم مهرجون وكوميديون. لم تكن الزيارة علاجًا مباشرًا، لكنها كانت تُخفف الخوف، وتكسر رهبة المستشفى، وتمنح الطفل شعورًا بأنه ما زال طفلًا… لا مجرد مريض.


غير أن التحول الحقيقي في نظرة المجتمع الطبي للعلاج بالفكاهة جاء مع تجربة شخصية مؤثرة. في عام 1979، نشر الطبيب والكاتب Norman Cousins كتابه الشهير Anatomy of an Illness، الذي لم يكن بحثًا علميًا بقدر ما كان شهادة إنسانية. روى فيه كيف أصيب بالتهاب المفاصل الروماتويدي في العمود الفقري، وكيف قرر – إلى جانب العلاج الطبي – أن يجعل الضحك جزءًا من يومه. كان يشاهد الأفلام الكوميدية، ويحيط نفسه بأجواء خفيفة، ولاحظ أن الضحك لم يُغير حالته النفسية فقط، بل خفف ألمه الجسدي وساعده على النوم بشكل أفضل. فجأة، أصبح الضحك موضوعًا جادًا على طاولة الطب.


ثم جاء عام 1998 ليحمل العلاج بالفكاهة إلى الوعي الشعبي الواسع عبر فيلم Patch Adams، الذي جسّد فيه Robin Williams شخصية الطبيب الحقيقي Hunter Patch Adams. لم يكن الفيلم مجرد قصة سينمائية، بل رسالة إنسانية قوية تقول إن الطبيب ليس فقط من يصف الدواء، بل من يلمس الروح. أظهر الفيلم كيف يمكن للضحك، واللطف، وكسر الرسمية، أن يغيّر تجربة المريض، خاصة أولئك الذين يعيشون على هامش الرعاية الصحية.


من منظور نفسي، لا يعمل الضحك كمسكن سحري، لكنه يُحدث تغييرات حقيقية في الجسد والعقل. فهو يخفف التوتر، يقلل من ضغط الأفكار السلبية، ويمنح المريض شعورًا مؤقتًا بالسيطرة والراحة. أما على المستوى الإنساني الأعمق، فهو يُعيد للمريض إحساسه بذاته، ويذكّره بأنه ما زال قادرًا على الشعور بالفرح، حتى في قلب المعاناة.


اليوم، يُستخدم العلاج بالفكاهة كجزء داعم في العلاج النفسي والطبي، لا ليُنكر الألم، بل ليمنح الإنسان قدرة أكبر على احتماله. هو تذكير بسيط وعميق في آن واحد:

أن الشفاء لا يأتي دائمًا في علبة دواء… أحيانًا يأتي في ضحكة صادقة، أو لحظة خفة، أو إنسان يعرف كيف يخفف عنك ثقل الطريق.



بقلم /عواطف الشمراني

not found