قراءة نفسية في القلق الزمني وضغط المقارنة
يُعد الخوف من فوات الفرص (Fear of Missing Out – FOMO) من أكثر الاستجابات النفسية شيوعًا في العصر الحديث، ويظهر عندما يبدأ الإنسان في التشكيك في توقيته الشخصي ومساره في الحياة. في هذه الحالة، يتكوّن شعور داخلي بأن الحياة تسير بسرعة، بينما يقف الفرد في مكانه، يراقب إنجازات الآخرين ويُفسّرها على أنها دليل تأخر شخصي.
من منظور علم النفس، لا تنشأ هذه المشاعر من الواقع بقدر ما تنشأ من طريقة تفسيره. فالعقل يميل إلى المقارنة غير العادلة، حيث تُقارن الحياة الكاملة للفرد — بما فيها من تعب وتردد ومحاولات — بالصورة المعلنة والمختارة لنجاحات الآخرين. ومع تكرار هذا النمط المعرفي، يتحول القلق الزمني إلى ضغط داخلي مستمر.
هذا الضغط يدفع كثيرين إلى استعجال القرارات بدافع الخوف من الندم، وتحميل النفس ما يفوق طاقتها، فقط لتجنّب الإحساس بأنهم “فوّتوا شيئًا”. إلا أن علم النفس يؤكد أن لكل إنسان مساره الزمني الخاص، وأن النمو النفسي والمهني لا يخضع لوتيرة واحدة أو جدول زمني موحّد.
ما لم يأتِ في هذه المرحلة لا يعني ضعفًا دائمًا أو فشلًا شخصيًا. فانخفاض الدافعية أو الإرادة غالبًا ما يكون حالة مؤقتة، تتأثر بالضغوط، والإجهاد، وكثرة المقارنات. ويمكن استعادة هذه الدافعية تدريجيًا عبر خطوات صغيرة واقعية، تعيد للفرد شعوره بالكفاءة والسيطرة.
تشير الدراسات النفسية إلى أن التركيز على الإنجازات المحققة — مهما بدت بسيطة — يعزز تقدير الذات، بينما الاستغراق في التفكير بما لم يتحقق بعد يزيد الإحباط ويستنزف الطاقة النفسية. وكل لحظة يتجاوز فيها الإنسان إحباطه أو يواصل رغم ثقله، تُعد في حد ذاتها إنجازًا نفسيًا حقيقيًا.
كما أن منح النفس وقتًا للتعافي يُعد عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على التوازن النفسي. فالإحباط لا يعكس القيمة الحقيقية للفرد، بل يعبّر عن حالة شعورية عابرة، تزول حين تُقابل بالفهم واللطف بدل القسوة والضغط.
ويُعد الابتعاد عن المقارنات الاجتماعية أحد أهم العوامل المساعدة على استعادة الاستقرار الداخلي. فالتركيز على الرحلة الخاصة، بدل مراقبة مسارات الآخرين، يسمح للفرد برؤية تقدّمه الحقيقي. وكل تحدٍ يمر به الإنسان يسهم — نفسيًا — في صقل شخصيته وتقوية إرادته وبناء مرونته الداخلية.
في النهاية،
القوة النفسية الحقيقية لا تعني غياب الإحباط أو القلق،
بل تعني القدرة على مواجهتهما بوعي، والتعامل مع النفس بلطف، والاستمرار في المسار رغم عدم وضوحه الكامل.
بقلم: عواطف الشمراني