كيف تُشكّل الثقافة تقدير الإنسان لذاته؟
بقلم: عواطف الشمراني
في عام 1933، نشر الكاتب الدنماركي-النرويجي أكسل ساندموسه رواية أدبية لم يكن يدرك أنها ستمنح علم الاجتماع أحد أشهر مفاهيمه. في هذه الرواية، وصف مجتمعًا خياليًا تحكمه قواعد غير مكتوبة، قواعد لا تُعلّق على الجدران، لكنها تعيش داخل عقول الناس. هذه القواعد عُرفت لاحقًا باسم “قانون يانته” (Janteloven).
قانون يانته، في تعريفه العلمي، ليس قانونًا تشريعيًا، بل منظومة معيارية اجتماعية (Social Norm System)، وظيفتها تنظيم العلاقة بين الفرد والجماعة من خلال تقليل إظهار التفوق الفردي. الفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا القانون بسيطة، لكنها عميقة التأثير:
لا تضع نفسك فوق الآخرين، ولا تحاول أن تُظهر أنك أفضل منهم.
هذه الفكرة أصبحت جزءًا من التحليل العلمي لثقافة دول مثل النرويج والسويد والدنمارك، حيث لاحظ الباحثون نمطًا متكررًا من السلوك يتميز بالهدوء، والتواضع، وانخفاض الحاجة إلى الاستعراض الاجتماعي.
من منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن فهم قانون يانته من خلال مفهوم يُعرف باسم الضبط الاجتماعي المعياري (Normative Social Regulation). هذا النوع من الضبط لا يعتمد على العقاب الرسمي، بل على القبول والرفض الاجتماعي. الفرد يتعلم، منذ الصغر، أن الإفراط في إظهار التميز قد يؤدي إلى عزلة اجتماعية، فيبدأ تلقائيًا بتعديل سلوكه ليحافظ على الانتماء.
لفهم ذلك بشكل واقعي، تخيل شابًا حصل على إنجاز أكاديمي كبير. في بعض الثقافات، قد يعلن ذلك بفخر، ويتلقى تعزيزًا اجتماعيًا مباشرًا. أما في بيئة متأثرة بقانون يانته، فقد يذكر إنجازه بطريقة مختصرة جدًا، أو قد يتجنّب الحديث عنه تمامًا، ليس لأنه لا يشعر بالفخر، بل لأن الثقافة المحيطة به تُعلّمه أن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان.
هذا لا يعني أن الطموح غير موجود، بل يعني أن التعبير عنه يتم بشكل مختلف.
الدراسات التي تناولت هذا المفهوم أشارت إلى نتائج نفسية مهمة. المجتمعات التي تتبنى معايير المساواة الاجتماعية الصارمة تميل إلى إظهار مستويات أقل من القلق المرتبط بالمقارنة الاجتماعية. حين لا يشعر الفرد أنه في سباق دائم لإثبات نفسه، ينخفض الضغط النفسي المرتبط بالتقييم المستمر.
لكن في المقابل، يشير بعض الباحثين إلى جانب آخر أكثر تعقيدًا. عندما يصبح التواضع ليس خيارًا، بل شرطًا للقبول، قد يبدأ بعض الأفراد في تقليل أنفسهم داخليًا، وليس فقط خارجيًا. هنا يتحول السلوك من تواضع صحي إلى نوع من الكبح النفسي للهوية الفردية.
الفرق بين الحالتين دقيق لكنه مهم.
التواضع الصحي ينبع من شعور داخلي بالقيمة، لا يحتاج إلى استعراض.
أما الكبح النفسي، فينبع من خوف من الرفض.
هذا الفرق يفسر لماذا قد يبدو شخصان متشابهين في سلوكهما الخارجي، لكن تجربتهما النفسية مختلفة تمامًا. أحدهما هادئ لأنه متوازن، والآخر هادئ لأنه لا يشعر بالأمان الكافي ليكون ظاهرًا.
قانون يانته، في جوهره، ليس مجرد فكرة ثقافية، بل نموذج يوضح كيف يمكن للبيئة الاجتماعية أن تُشكّل إدراك الإنسان لنفسه. إنه يذكّرنا بأن تقدير الذات لا يتكون في فراغ، بل يتأثر باستمرار بالرسائل الصريحة والضمنية التي يتلقاها الإنسان من محيطه.
في النهاية، لا تكمن المسألة في أن يكون الإنسان مميزًا أو متواضعًا، بل في أن يكون حرًا نفسيًا في معرفة قيمته، دون أن يحتاج إلى إخفائها، ودون أن يُجبر على إثباتها.
هذا التوازن، تحديدًا، هو ما يشكل أساس الصحة النفسية الحقيقية.