قراءة نفسية علمية في فهم المشاعر وتطور الإدراك
بقلم: عواطف الشمراني – أخصائية نفسية
يمر الإنسان خلال حياته بطيف واسع من الحالات الانفعالية؛ أحيانًا يشعر بالقوة والاتزان، وأحيانًا أخرى بالقلق أو الغضب أو الانسحاب. هذا التذبذب ليس عشوائيًا، بل يرتبط بطريقة إدراكنا لأنفسنا وللعالم من حولنا.
من النماذج التي حاولت تفسير هذا الاختلاف ما يعرف بـ هرم مستويات الوعي أو خريطة الوعي (Map of Consciousness)، وهو نموذج طرحه الطبيب والباحث الأمريكي ديفيد آر. هاوكينز، حيث ربط بين الحالات الشعورية ومستوى الإدراك النفسي الذي يتحرك منه الإنسان.
ورغم أن هذا النموذج لا يُعد مقياسًا تشخيصيًا معتمدًا في علم النفس السريري، إلا أنه يُستخدم كإطار تفسيري يساعد الأفراد على فهم انتقالهم بين الحالات النفسية المختلفة وكيف تؤثر المشاعر في السلوك واتخاذ القرار.
أولًا: مفهوم الوعي في السياق النفسي
الوعي في علم النفس لا يعني فقط الانتباه أو الإدراك العقلي، بل يشير إلى:
- الطريقة التي نفسر بها الأحداث
- مستوى النضج الانفعالي
- قدرتنا على تنظيم مشاعرنا
- مدى اتساع منظورنا تجاه الذات والآخرين
كلما كان وعي الإنسان أوسع، قلّت سيطرة ردود الفعل الانفعالية، وزادت قدرته على الاختيار الواعي بدل التصرف التلقائي.
ثانيًا: فكرة هرم مستويات الوعي
يقترح هاوكينز أن المشاعر يمكن ترتيبها في مستويات متدرجة، تبدأ من حالات نفسية ذات طاقة منخفضة تتمحور حول الخوف أو العجز، وتصعد تدريجيًا نحو حالات أكثر اتزانًا مثل الثقة، ثم الحب والسلام الداخلي.
الفكرة الأساسية بسيطة:
الحالة الشعورية تحدد طريقة إدراكك للواقع، وليس العكس فقط.
أي أن الشخص الذي يعيش الخوف يرى العالم مهددًا، بينما الشخص الذي يعيش الثقة يرى نفس الظروف كفرص للنمو.
ثالثًا: شرح المستويات الرئيسية للهرم
1️⃣ مستويات الوعي المنخفضة (الارتكاز على البقاء والانفعال)
تشمل مشاعر مثل:
- الخجل
- الذنب
- الحزن
- الخوف
- الغضب
خصائص هذه المرحلة نفسيًا:
- التفكير يكون دفاعيًا أو هجوميًا.
- التركيز على التهديد أو الظلم.
- ارتفاع نشاط الجهاز العصبي المرتبط بالتوتر.
- صعوبة رؤية الحلول.
مثال تطبيقي:
شخص يتعرض لرفض اجتماعي، فيفسره كدليل على نقصه الشخصي، ويبدأ في الانسحاب أو الغضب.
2️⃣ مستوى الانتقال (الشجاعة وما بعدها)
يُعتبر مستوى “الشجاعة” نقطة التحول الأساسية في الهرم، لأنه يمثل الانتقال من عقلية الضحية إلى عقلية المسؤولية.
خصائص هذه المرحلة:
- قبول الواقع بدل مقاومته.
- استعداد للتعلم من الخطأ.
- بداية بناء الثقة الذاتية.
من منظور علم النفس المعرفي، هذه المرحلة تشبه التحول في “نمط التفكير” من الأفكار التلقائية السلبية إلى التفكير المرن.
3️⃣ مستويات الوعي المتوسطة (النمو والإنتاجية)
تشمل:
- التفاؤل
- التسامح
- الثقة
- العقلانية
في هذه المرحلة:
- يقل التفاعل العاطفي الحاد.
- يصبح التفكير أكثر تنظيمًا.
- ترتفع القدرة على اتخاذ قرارات منطقية.
مثال:
بدل قول “أنا فشلت”، يتحول التفكير إلى:
“هذه تجربة أتعلم منها.”
4️⃣ مستويات الوعي العالية (الاندماج والاتساع)
تشمل:
- الحب
- الامتنان
- البهجة
- السلام الداخلي
من منظور نفسي:
- يقل الصراع الداخلي.
- يصبح تقدير الذات مستقلًا عن رأي الآخرين.
- تتحول العلاقات من الاحتياج إلى الاختيار.
في هذه المرحلة، يعمل الجهاز العصبي في حالة أهدأ، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على التنظيم الانفعالي.
رابعًا: تفسير علمي معاصر للنموذج
علم النفس الحديث لا يدعم فكرة القياس الرقمي للمشاعر كما ورد في النموذج، لكنه يتفق مع عدة نقاط جوهرية، منها:
- أن المشاعر تؤثر مباشرة في الإدراك والسلوك.
- أن التنظيم الانفعالي يرتبط بجودة الحياة.
- أن الانتقال من رد الفعل إلى الوعي الذاتي هو مؤشر للنضج النفسي.
نستطيع ربط هذا الهرم بمفاهيم علمية مثل:
- تنظيم الانفعال (Emotion Regulation)
- المرونة النفسية (Psychological Flexibility)
- إعادة التقييم المعرفي (Cognitive Reappraisal)
خامسًا: كيف يستخدم الإنسان هذا الهرم عمليًا؟
استخدامه الصحي لا يكون بالحكم على النفس، بل بالملاحظة:
- ما الشعور الذي أتحرك منه الآن؟
- هل قراري نابع من خوف أم ثقة؟
- هل أتصرف لأثبت نفسي أم لأنني مقتنع؟
الهدف ليس الوصول الدائم للقمة، بل:
✔ الوعي بالحالة الحالية
✔ تقليل زمن البقاء في المشاعر السلبية
✔ العودة بسرعة للتوازن
سادسًا: مثال تطبيقي شامل
تخيل شخصًا بعد تجربة علاقة مؤلمة:
- في الوعي المنخفض:
- يركز على الغضب أو الرغبة في إثبات الذات.
- في الوعي المتوسط:
- يبدأ في فهم الدروس وإعادة بناء ثقته.
- في الوعي العالي:
- يتحول الحدث إلى خبرة نضج دون بقاء صراع داخلي.
الحدث واحد، لكن مستوى الوعي هو الذي يحدد التجربة النفسية.