قراءة علمية في بنية الأفكار التلقائية ودورة الاستجابة النفسية
يُعد القلق أحد أكثر الاضطرابات النفسية انتشارًا، ليس بوصفه شعورًا طارئًا فحسب، بل كنظام كامل يتداخل فيه التفكير والانفعال والسلوك. ويظهر القلق عادةً من خلال فكرة تلقائية سريعة تسبق الشعور المزعج وتؤثر في تفسير الفرد للأحداث من حوله. هذه الأفكار لا تكون دائمًا منطقية، لكنها تحمل قوة كافية لإطلاق سلسلة من الاستجابات الجسدية والمعرفية، ما يجعل الشخص يشعر وكأن الخطر حقيقي وقريب.
تعمل الأفكار التلقائية بوصفها المدخل الأول لهذه الدائرة؛ فهي تفسّر المواقف اليومية تفسيرًا مضخمًا، وتضيف معاني سلبية تزيد من استعداد العقل للتهديد. ومع تكرار هذه العملية، يتشكّل لدى الفرد نمط ذهني يتوقع الأسوأ تلقائيًا، حتى عندما لا تكون هناك مؤشرات فعلية تدل على ذلك. ويترافق هذا مع استجابات فسيولوجية مثل تسارع نبضات القلب، التوتر العضلي، واضطراب التنفس، وهي ردود تهدف في أصلها إلى الحماية، لكنها تتحول مع الوقت إلى مصدر ضغط.
يلعب التاريخ الشخصي دورًا محوريًا في ترسيخ هذا النمط، إذ قد تؤدي تجربة واحدة مؤلمة إلى توسّع ذهني يربط أحداثًا لاحقة بالخطر نفسه. كما تؤثر الآراء الذاتية للفرد في صياغة تقييمه للواقع؛ فالعقل القَلِق يميل لتضخيم الإشارات السلبية وإهمال الأدلة التي تشير إلى أن الموقف آمن أو يمكن التعامل معه.
ويُظهر القلق كذلك ميلاً واضحًا نحو التنبؤ بالنتائج الكارثية. إذ يبني الشخص سيناريوهات مستقبلية متطرفة تبدو واقعية رغم أن احتمال وقوعها منخفض جدًا. ويقود هذا النمط إلى نشوء سلوكيات وقائية مثل التجنب أو طلب الطمأنة أو المبالغة في الفحص، وهي سلوكيات لا تعالج المشكلة، بل تجعل القلق أكثر ثباتًا لأنها تمنح العقل رسالة ضمنية بأن الخطر حقيقي.
إن فهم هذا النظام المتشابك يمنحنا رؤية أوضح لطبيعة القلق: فهو ليس ضعفًا في الشخصية، بل آلية عقلية تعمل بشكل مفرط وتحتاج إلى إعادة تنظيم. ويُعد الوعي بهذه الآلية خطوة أولى نحو معالجة القلق بطريقة علمية منهجية
وانطلاقًا من خبرتي الأكاديمية في علم النفس وعلم الاجتماع، أقدّم خدمات عبر موقعي هذا مبنية على العلاج المعرفي السلوكي (CBT) لمساعدة الأفراد على فهم القلق وتنظيمه. وتهدف أدواتي العلاجية إلى تحسين تفسير الأفكار، وتهدئة الاستجابات المبالغ فيها، وبناء سلوكيات أكثر وعيًا وتوازنًا في الحياة اليومية
عواطف الشمراني
ماجستير علم اجتماع – باحثة في السلوك والوعي