تُظهر الخبرة الإكلينيكية والقراءات الحديثة في علم النفس أن كثيرًا من الأفراد لا يعيشون سنوات متجددة بقدر ما يعيشون سنة واحدة تتكرر بأشكال مختلفة.
يتغيّر السياق الخارجي—وظيفة جديدة، مدينة مختلفة، علاقة مختلفة—لكن المحصلة النهائية تبقى ثابتة.
ويُثار هنا سؤال جوهري: لماذا لا يحدث التغيير الحقيقي رغم كثرة التحولات الظاهرية؟
أولًا: الدور العصبي في إعادة إنتاج المألوف
لا يعتمد الإنسان في سلوكه على الراحة بقدر اعتماده على المألوف.
الجهاز العصبي لا يبحث دومًا عن الأفضل، بل عن الأكثر قابلية للتنبؤ.
لذلك يعود الفرد، غالبًا دون وعي، إلى أنماط وعلاقات تُشبه خبراته المبكرة، حتى وإن كانت مؤلمة أو غير مُرضية.
ثانيًا: أثر الطفولة على تشكيل الاختيارات المستقبلية
تُعد السنوات الأولى حجر الأساس للأنماط الانفعالية والعلاقاتية.
فالطفل الذي ينشأ في بيئة يتداخل فيها الحب مع الخوف، أو الأمن مع التوتر، يُعيد في شبابه وبُلوغه إنتاج هذه الصيغة القديمة عبر اختياراته وسلوكياته.
وتظهر النتائج في صور متعددة:
• إعادة الانجذاب لمن يتجاهله أو ينتقده؛
• تبنّي نظرة ناقدة للذات؛
• صعوبة الشعور بالاستقرار حتى في البيئات الآمنة.
هذه الأنماط ليست قرارات واعية، بل ارتباطات عصبية راسخة تتكرر تلقائيًا.
ثالثًا: التكرار القهري كمحاولة لاواعية للإصلاح
يصف العلاج النفسي ما يُعرف بـ “التكرار القهري”، حيث يُعيد العقل إنتاج القصص نفسها في محاولة لإعادة صياغة نهاياتها.
يسعى الفرد، دون إدراك، إلى معالجة صدمة قديمة بأدوات تكون غالبًا مستمدة من الماضي ذاته، مما يفضي إلى النتيجة نفسها مع كل محاولة جديدة.
رابعًا: لماذا لا تؤدي البيئات الجديدة إلى نتائج مختلفة؟
يظن البعض أن تغيير المكان أو العمل أو العلاقات كفيل بتحقيق تحول جذري.
لكن التجارب تشير إلى أن التغيير الخارجي لا يُحقق أثره ما لم يتزامن مع تغيير داخلي واعٍ.
فالزمن وحده لا يُعالج الأنماط العاطفية، والمكان وحده لا يعيد بناء الجهاز العصبي.
إن الوعي بالنمط هو نقطة الانفصال الأولى عن دورات التكرار.
خامسًا: المشاعر غير المعالجة تتحول إلى سلوك
المشاعر التي لم يُتح للفرد التعامل معها في وقتها تظهر لاحقًا في هيئة سلوك، أو توتر، أو اندفاع، أو عزوف، أو علاقة غير مستقرة.
فالجسم لا ينسى، والعقل يعيد تنظيم الخبرات الماضية في شكل قرارات معاصرة.
خاتمة
إن الأفراد لا يكررون السنوات لأنهم عاجزون أو ضعفاء، بل لأن جزءًا في داخلهم ما يزال مرتبطًا بآليات بقاء قديمة.
وعندما يبدأ هذا الجزء بالشعور بالأمان، يصبح التغيير ممكنًا، وتتبدّل دورة الحياة من التكرار إلى النمو.
عواطف الشمراني
في علم النفس والاجتماع