تُعد تجربة سجن ستانفورد واحدة من أكثر التجارب التي كشفت الجانب المظلم في النفس البشرية، ليس لأنها كشفت “العنف”، بل لأنها أظهرت كيف يمكن للدور الاجتماعي وحده أن يُعيد تشكيل الإنسان من الداخل.
في عام 1971، قام عالم النفس فيليب زيمباردو بجمع مجموعة من الطلاب الجامعيين الأصحّاء نفسيًا، لا تاريخ عدواني لديهم، لا مشاكل سلوكية، مجرد شباب عاديين. وزّع عليهم الأدوار بطريقة عشوائية: نصفهم “سجّانون”، والنصف الآخر “سجناء”. المكان مجرد قبو جامعي، ليس سجناً حقيقياً، ولا يوجد أي أوامر بالعنف أو الهيمنة. كانت التجربة مخططة لتستمر أسبوعين، لكنها لم تصمد سوى ستة أيام فقط.
منذ اللحظة التي ارتدى فيها “السجّانون” الزي الرسمي وحملوا مفاتيح الأبواب، بدأت ملامح جديدة تظهر في سلوكهم.
شيء في “الدور” جعلهم يتصرفون بطريقة لم يكونوا يتخيلونها. أصبح بعضهم قاسيًا، متسلطًا، يستخدم السلطة بطريقة مفروضة، يرفع صوته، يعطي أوامر، ويمارس تحكّمًا على أشخاص هم في الأصل زملاؤه. وفي المقابل، بدأ “السجناء” يفقدون جزءًا من قوتهم النفسية؛ انخفضت ثقتهم بأنفسهم، أصبحوا خاضعين، قلقين، يتأثرون بسرعة بأي توجيه، وكأن الهوية الحقيقية لهم بدأت تذوب أمام الدور الجديد الذي فُرض عليهم.
هذا التحول المفاجئ والسريع لا يمكن تفسيره بكون الأشخاص “سيئين” أو “ضعفاء”، بل يكشف عن حقيقة عميقة في علم النفس الاجتماعي: أن الإنسان يتغيّر عندما يوضع في إطار اجتماعي جديد يحمل توقعات جاهزة. الدور الاجتماعي نفسه—حتى لو كان مُختلقاً—يمتلك قوة نفسية هائلة؛ يمنح الفرد سلطة أو يسلبها، يفتح له مساحة سلوكية جديدة أو يضيّقها، ويدفعه للتصرف بما يتوافق مع “ما يتوقعه الدور منه”، وليس مع شخصيته الأصلية.
ما حدث في ستانفورد يرتبط بمفهوم نفسي يسمى فقدان الهوية داخل الجماعة وهو حالة يذوب فيها إحساس الفرد بهويته، ويبدأ يتصرف وفق قواعد المجموعة أو النظام المحيط به. حين يشعر الإنسان بأنه “جزء من نظام” وليس فردًا مستقلًا، تصبح الحدود الأخلاقية أكثر هشاشة، ويصبح السلوك أكثر قابلية للتغيير والتصعيد.
الخطير في التجربة ليس فقط أن السجّانين أصبحوا أكثر عنفًا، بل أن كثيرًا منهم لم يدرك حجم التحوّل الذي حدث داخلهم. كانوا يعتقدون أنهم “يؤدّون دورهم فقط”، بينما كانوا في الحقيقة يختبرون نسخة جديدة من أنفسهم لم يعرفوها من قبل.
أما السجناء، فقد بدأت عليهم علامات الانكسار والضياع النفسي، لدرجة جعلت زيمباردو يتدخل بنفسه ويوقف التجربة قبل موعدها، لأن الوضع أصبح غير أخلاقي وغير آمن.
تكمن أهمية هذه التجربة في بعدها الإنساني والمهني معًا. فهي لا تُظهر فقط كيف يتغيّر الإنسان في الظروف المتطرفة، بل تُظهر أيضًا كيف يمكن للبيئة التنظيمية في العمل — الهيكل، السلطة، الثقافة الداخلية — أن تُعيد تشكيل سلوك الموظفين دون وعي منهم. بعض الموظفين يصبح أكثر تشددًا عندما يُعطى صلاحية، وبعضهم يصبح أكثر صمتًا عندما يوضع في دور يتوقع منه الخضوع. هذه الديناميكيات تحدث في الشركات، المستشفيات، المدارس، المؤسسات، وفي أي مكان توجد فيه سلطة وتوقعات واضحة.
لذلك، تحمل تجربة ستانفورد رسالة مهمة في علم القيادة وإدارة الفرق:
حين تضع شخصًا في دور معين، فأنت لا تحدّد مهامه فقط، بل تُعيد تشكيل طريقته في التفاعل، اتخاذ القرار، وحدود التعاطف.
وحين تُنشئ بيئة عمل تقوم على الخوف أو الضغط أو الغموض، فإنها قد تدفع الأشخاص إلى سلوكيات لا تشبههم — تمامًا كما حدث في التجربة.
الوعي بهذه العلاقة بين “الدور” و“السلوك” يساعد المديرين والأخصائيين والقادة على بناء بيئة صحية تحفظ هوية الفرد ولا تسمح للسلطة أن تشوّهها.
بقلم: عواطف الشمراني