هناك عقل يعمل داخلنا لا نراه، ولا نسمع صوته بشكل مباشر، لكنه يوجّه أغلب حياتنا دون أن نعطيه اسمه الحقيقي. هذا العقل الخفي هو اللاوعي؛ المساحة العميقة التي تتحرك فيها الجروح القديمة، والذكريات التي لم نشرحها، والمشاعر التي خفنا من قولها، وكل ما حاولنا تجاوزه بدل أن نفهمه.
نحن نظن أن قراراتنا تأتي من وعينا؛ من الكلمات التي نقولها، ومن المنطق الذي نتمسك به. لكن ما يحدث في الداخل يقول شيئًا مختلفًا: كثير من اختياراتنا، ردود أفعالنا، مخاوفنا، وحتى انجذابنا للأشخاص… كلها تتحرك من منطقة أعمق بكثير من الوعي. منطقة لا تستخدم الكلمات، بل تتكلم بلغة أخرى: لغة الرموز.
اللاوعي لا يرسل جملة واضحة، ولا يقدّم تفسيرًا مباشرًا. هو يعبر عن نفسه عبر صورة في حلم، مشهد مفاجئ، إحساس غير مفهوم، رد فعل مبالغ، أو حتى تكرار لنفس النمط في علاقاتنا. لأن الرمز بالنسبة للنفس أصدق من الكلمة، وأوسع من التفسير، وأقرب للحقيقة التي لا نجرؤ على قولها بوضوح.
والمؤلم في الإنسان ليس الموقف الظاهر، ولا الشخص الذي أمامه. ما يؤلم فعلًا هو الجرح الذي يوقظه هذا الشخص في الداخل. نحن لا نتأذى من كلمة، بل من مكان حساس في داخلنا لمسَته الكلمة. لا نتعب من العلاقة، بل من ذاكرة قديمة حملناها معنا دون أن نشعر. ولهذا قد يمرّ نفس الحدث على شخصين: أحدهما ينهار، والآخر يمرّ به بسهولة. ليس لأن أحدهما أقوى… بل لأن جروحهما مختلفة.
وما لا نواجهه… يعود إلينا. يعود كقلق، كغضب بلا سبب، كنفور مفاجئ، كأشخاص يشبهون بعضهم، كعلاقات نعيدها بدقة غريبة، كخوف قديم نحمله في ملامح جديدة. كل هذه ليست مصادفات. إنها الطريقة التي تحاول بها النفس أن تشرح ما لم نستطع فهمه في وقت سابق.
وعندما يبدأ الإنسان ينظر إلى الداخل بصدق، ويسأل نفسه أسئلة مختلفة: لماذا أتأثر من هذا الموقف؟ لماذا أعطي أكثر مما أستقبل؟ لماذا أكرر هذا النمط؟ لماذا أخاف من الرحيل؟ لماذا أهرب من الاقتراب؟… هنا يبدأ الوعي الحقيقي. هنا يتحول الرمز إلى معنى، ويتحول الخوف إلى فهم، ويتحول الألم إلى رسالة تُرشد لا تُعذّب.
النفس ليست فقط ما نقوله للآخرين، بل ما نقوله بصمت لأنفسنا. وكلما اقترب الإنسان من رموزه الداخلية، كلما أصبح أعمق، وأكثر اتساقًا، وأكثر حكمة في التعامل مع حياته. الوعي ليس أن نفهم العالم… الوعي أن نفهم أنفسنا أولًا.
– عواطف الشمراني
أخصائية نفسية وباحثة في علم السلوك والوعي