تُظهر هذه الصورة—بفوضى الملفات وتكدّس الأوراق—مشهدًا مألوفًا في بيئات العمل المرهقة، حيث تزداد المهام وتتراكم المسؤوليات بوتيرة أسرع من قدرة الإنسان على المتابعة. ورغم أنّ العمل هو أحد أهم مصادر الإنجاز والشعور بالقيمة، إلا أنّه قد يتحول تدريجيًا إلى حالة من الاستنزاف الهادئ الذي لا يُكتشف إلا بعد فوات الأوان.
ما هو الاحتراق الوظيفي؟
عرّفت منظمة الصحة العالمية WHO الاحتراق الوظيفي Burnout بأنه متلازمة نفسية تنشأ نتيجة التعرض لضغوط مهنية مستمرة وغير مُدارَة بشكل مناسب، ويتكوّن من ثلاثة عناصر رئيسية:
1. الإنهاك الجسدي والعقلي المستمر.
2. المشاعر السلبية أو الانفصال العاطفي تجاه العمل.
3. انخفاض الشعور بالكفاءة المهنية والإنجاز.
وتشير دراسة صادرة عن Journal of Applied Psychology إلى أن الموظفين الذين يعانون من الاحتراق الوظيفي ينخفض أداؤهم بنسبة قد تصل إلى 30%، ويزداد احتمال ارتكاب الأخطاء المهنية بنسبة 60%.
كيف يبدأ الاحتراق الصامت؟
غالبًا لا يظهر الاحتراق الوظيفي كأزمة واضحة، بل يتكون ببطء عبر علامات دقيقة، منها:
• تعب لا يزول رغم النوم.
• ضعف القدرة على التركيز.
• حساسية زائدة تجاه المواقف البسيطة.
• فقدان الشعور بالدافع أو الانتماء للمؤسسة.
• انخفاض جودة العمل مع زيادة الجهد المبذول.
• اضطراب النوم، الصداع، وآلام الجسد غير المفسرة طبيًا.
هذه العلامات ليست “ضعفًا”، بل استجابة بيولوجية طبيعية لضغوط تتجاوز قدرة الجهاز العصبي.
تشير أبحاث Stanford Medicine إلى أن الضغط الوظيفي المفرط قد يرفع مستويات هرمون الكورتيزول بنسبة تصل إلى 200%، مما يؤدي إلى إرهاق الجهاز العصبي واضطراب المزاج والنوم.
الأثر النفسي المستتر
يؤدي الاحتراق الوظيفي إلى:
• الشعور بالانفصال العاطفي.
• فقدان القدرة على الاستمتاع.
• الإحساس بأن العمل أصبح مجرد أداء ميكانيكي.
• تراجع الثقة بالنفس والقدرة على الإنجاز.
وهو ما وصفته الجمعية الأمريكية لعلم النفس APA بـ “الإنهاك الوجداني” Emotional Exhaustion، وهو أخطر مراحل الاحتراق.
لماذا تجاهل الاحتراق أمر خطير؟
لأن الإنسان حين يعتاد الضغط المستمر، يبدأ في العمل بنمط يُسمّى “وضع النجاة” Survival Mode، وهو نمط طارئ لا يجب أن يستمر طويلًا.
استمرار هذا الوضع يؤدي إلى:
• تآكل الصحة النفسية.
• ارتفاع مخاطر الاكتئاب والقلق بنسبة تصل إلى 3 أضعاف.
• اضطرابات في الهرمونات والمناعة.
• فقدان الدافع الداخلي تمامًا.
متى يجب التفكير في طلب استشارة؟
إذا وجدت نفسك تشعر بأنك:
• تعمل بجسدك بينما فكرك وروحك في مكان آخر،
• تفقد القدرة على التنظيم،
• تتراجع طاقتك تدريجيًا،
• أو أصبحت تتعايش مع الإرهاق وكأنه “وضع طبيعي”…
فهذه مؤشرات تستحق التوقف.
ليست قرارات جذرية، وليست خطوات كبيرة…
بل مجرد مساحة آمنة للتفكير بصوتٍ مسموع، وجلسة مهنية تساعدك على فهم ما يحدث داخلك، وإعادة ترتيب أولوياتك النفسية بطريقة علمية.
خطوة بسيطة… لكنها قد تمنع انهيارًا كبيرًا.
⸻
عواطف الشمراني
أخصائية نفسية
ماجستير في علم الاجتماع
الباحثة في الوعي والسلوك