الأسطورة التي ولَدَت النرجسية

7 ديسمبر 2025
Awatif alshmrani
الأسطورة التي ولَدَت النرجسية

من أين جاءت النرجسية؟ الأسطورة، التحليل، والامتداد النفسي عبر التاريخ

عندما نسمع اليوم كلمة النرجسية، يتبادر إلى الذهن شخص مهووس بذاته، مأخوذ بصورته، يرى نفسه محور الكون. لكن خلف هذا المفهوم النفسي المعاصر قصة طويلة، تمتد من ضفاف الأساطير اليونانية القديمة، وصولًا إلى أوراق التحليل النفسي عند سيغموند فرويد. قصة تتشابك فيها الأسطورة مع العلم، والرمز مع السلوك البشري، حتى أصبح “نارسيس” رمزًا خالدًا لحالة إنسانية عميقة ومعقدة.


تبدأ الحكاية مع شاب شديد الجمال اسمه نارسيس. كان جماله حديث الناس وشيئًا من الأساطير، لدرجة أن كل من يقترب منه يحبه، ويتعلق به، ويظن أنه وجد طريقًا إلى قلبه. لكن المشكلة لم تكن في جماله؛ المشكلة أن قلبه كان مغلقًا. كان يرى أن الحب نقطة ضعف، وأن الآخرين وُجدوا ليعجبوا به فقط، لا ليتشارك معهم مشاعر أو يعطيهم شيئًا من روحه. كان يمشي كأنه فوق الحياة، ويعتقد أن العالم كله صُمّم لينعكس على سطح ملامحه.


وذات يوم، مرّ نارسيس قرب بركة ماء هادئة، سكونها كأنه حدّ السكين. انحنى ليشرب، فرأى وجهًا لمحه لأول مرة: صورة جميلة، صافية، هادئة تشبه الحلم. لم يعرف أن هذا هو انعكاسه. لكنه أحب الصورة فورًا، وقع في عشقها كما لو أن قلبه كان ينتظر ظهورها منذ الولادة. كان يحاول الإمساك بها، لكنها تتلاشى. يقترب فتهتز. يمد يده فتتبدد. وشيئًا فشيئًا، غرق في البحث عن صورة لم يستطع أن يلمسها ولا أن يمتلكها، حتى أصبح أسيرًا لها، وفقد حياته بين ضفاف الماء. ومن موته نبتت زهرة صفراء جميلة، أطلق عليها اليونانيون اسم نرجس


هذه الأسطورة لم تكن مجرد قصة شاعرية، بل كانت انعكاسًا مبكرًا لمحاولة الإنسان فهم ذلك النوع من التعلق الذي لا يتجه نحو الآخر، بل يعود نحو الذات. ولهذا السبب التقطها علماء النفس لاحقًا، واعتبروها رمزًا بالغ الدقة لطبيعة الشخصية النرجسية.


عندما جاء سيغموند فرويد، لم يتعامل مع النرجسية كصفة اجتماعية أو سلوك ظاهري فقط؛ بل رآها كطبقة نفسية عميقة، كمرحلة نمر بها قبل أن نعرف العالم. يقول فرويد إن الطفل في السنوات الأولى يعيش فيما سماه النرجسية الأولية، حيث يرى نفسه مركز الكون، وكل رغباته يجب أن تُلبّى فورًا. في هذه المرحلة، لا يفرّق الطفل بين ذاته والعالم، ولا بين حاجاته وواجبات الآخرين. هذا طبيعي، لأنه جزء من بناء الأنا.


لكن المشكلة تظهر عندما لا يتجاوز الإنسان هذه المرحلة. عندما يعود إلى ذاته بطريقة مَرَضية، فيغلق الدائرة حول نفسه، ويرى الآخرين مجرد مرايا لرضاه الداخلي. هنا تتحول النرجسية إلى ما سماه النرجسية الثانوية، وهي المرحلة التي يصبح فيها الإنسان معتمدًا اعتمادًا كليًا على الإعجاب الخارجي، تمامًا كما كان نارسيس معتمدًا على سطح الماء ليرى نفسه حيًا.


فرويد استخدم أسطورة نارسيس ليفهم شيئًا أعمق بكثير: أن النرجسي لا يحب نفسه حقًا… بل يحب الصورة التي يعتقد أنها تمثّله. هو لا يرى ذاته بصدق، بل يرى “انعكاسًا مصقولًا” صنعه ليخفي هشاشته. مثل شخص يقف أمام المرآة طوال الوقت، لا لأنه جميل، بل لأنه لا يحتمل فكرة أن يرى نفسه كما هي.


وهنا تصبح الأسطورة تفسيرًا نفسيًا دقيقًا. فكما تعلق نارسيس بالانعكاس، يتعلّق النرجسي بامتدادات ذاته: إعجاب الآخرين، نظراتهم، كلماتهم، التصفيق، التقدير، وحتى الغيرة منه. كل هذا يشكّل “السطح اللامع” الذي يحتاجه ليظل واقفًا. هذه العلاقة بين الصورة والهوية تجعل النرجسي يعيش في مسافة ضيقة جدًا: بين الخوف من السقوط، وبين الحاجة المستمرة إلى من يثبت له قيمته. كل خطوة في حياته هي محاولة لإبقاء الانعكاس ثابتًا وواضحًا، حتى لو كان ذلك على حساب علاقاته، أو مشاعره، أو حتى إنسانيته.


وبين الأسطورة والتحليل النفسي تظهر حقيقة مؤلمة: النرجسي ليس قويًا كما يبدو، بل هشّ جدًا. هو لا يجرؤ على الاقتراب من الماء إلا لأنه يثق بالانعكاس الذي يراه، لكنه لا يستطيع أن يعيش في عمق العلاقات، لأنها تتطلب شيئًا لا يملكه: القدرة على رؤية الآخر كآخر، لا كمجرد سطح يعكس ذاته.


هكذا تحولت قصة نارسيس إلى قاعدة تُستخدم في فهم الشخصية النرجسية:

شخص يُعجب بصورته لا بذاته، يعيش على ضوء الآخرين لا على نوره الداخلي، يخشى الانكشاف،ويخاف من الحب الحقيقي لأنه يتطلب تضحية، ومساحة، وإحساسًا متبادلًا لا يمكن السيطرة عليه.


اليوم، حين نقول “نرجسي”، نحن لا نصف شخصًا مغرورًا فقط… بل نصف تاريخًا كاملًا من العجز عن الحب، ومأساة نفسية تبدأ من أسطورة وتنتهي في العيادات النفسية.

نقول “نرجسي” ونحن نقصد إنسانًا يقف عند حافة بحيرة، يخاف أن يبتعد عنها، لأنه إن فعل… سيضطر لأول مرة أن يرى نفسه من دون انعكاس.



بقلم/عواطف الشمراني



not found