الأسرار المكبوتة

3 ديسمبر 2025
Awatif alshmrani
الأسرار المكبوتة

قراءة علمية في الجذور النفسية وتداعياتها السلوكية


تُعدُّ الأسرار المكبوتة (Repressed Secrets) أحد المفاهيم الجوهرية في علم النفس الديناميكي، وقد تناولها عدد من روّاد المدرسة التحليلية منذ بدايات القرن العشرين. فالإنسان بطبيعته لا يعيش جميع خبراته على السطح الواعي، بل يُخفي جزءًا كبيرًا من حياته الشعورية داخل مستويات أعمق من الجهاز النفسي.


١. منظور فرويد: اللاوعي كمستودع للمكبوتات

يُشير سيغموند فرويد إلى أن النفس الإنسانية تتكوّن من ثلاثة مستويات:

الوعي – ما قبل الوعي – واللاوعي.

ويرى أن اللاوعي هو المكان الذي تُدفن فيه الرغبات، والذكريات، والصدمات، والضغوط التي لا يقدر الفرد على مواجهتها.

هذه المواد النفسية لا تختفي، بل تستمر في ممارسة تأثيرها على الشخصية من خلال القلق، والأحلام، والوساوس، واضطرابات السلوك.


وقد وثّق فرويد في كتابه “الكبت” (1915) أن العقل عندما يقمع تجربة مؤلمة، فإنه يعزلها عن الوعي حتى لا تُهدِّد توازنه. لكن هذه العملية ليست مجانية؛ إذ تتحول الطاقة الانفعالية للحدث المكبوت إلى قلق داخلي دائم.


٢. آنا فرويد والدفاعات النفسية

طوّرت آنا فرويد مفهوم “آليات الدفاع” التي يستخدمها الإنسان لحماية نفسه، وعلى رأسها:


  • الكبت
  • الإنكار
  • الإزاحة
  • التبرير


تُفسر هذه الآليات لماذا يظهر الشخص طبيعيًا من الخارج، بينما يعيش داخليًا صراعات لا يراها أحد.

الكبت تحديدًا يُعتبر الدفاع الأخطر لأنه لا يُخفي الحدث فقط، بل يُخفي الوعي بوجوده، فيظهر أثره على هيئة أعراض لا يستطيع الفرد تفسيرها.


٣. منظور علم النفس الحديث: الذاكرة الانفعالية

تشير الأبحاث الحديثة في علم الأعصاب (LeDoux, 2012) إلى أن التجارب العاطفية تُخزَّن في الجهاز الحوفي (Limbic System)، وخاصة اللوزة الدماغية (Amygdala)، حتى لو نسي الشخص تفاصيل الحدث.

بمعنى:


يمكن للإنسان أن ينسى القصة… لكنه لا ينسى الأثر.

ولهذا تظهر الأعراض التالية:


  • حساسية مفرطة
  • تجنب اجتماعي
  • نوبات قلق
  • وسواس قهري (تفقد، تنظيف، تكرار)
  • توتر بلا سبب واضح



أي أن “السر المكبوت” يتحول إلى منبّه عصبي يعيد تنشيط القلق كلما اقترب الشخص من أي محفّز مرتبط بالذكرى.


٤. الاضطرابات الناتجة عن الأسرار المكبوتة

أ. الوسواس القهري

توضح مدرسة التحليل النفسي أن الوسواس أحيانًا هو محاولة عقلية للهروب من فكرة مكبوتة مؤلمة.

ولهذا يظهر الوسواس في صورة:


  • تفقد متكرر
  • خوف من الأخطاء
  • طقوس صارمة
  • لأن العقل يحاول “تعويض” فقدان السيطرة في مكان آخر.


ب. اضطرابات القلق

يرى Karen Horney أن الصراعات غير المحلولة داخل النفس تتحول إلى قلق وجودي مزمن، وخاصة حين يعيش الفرد بين رغبتين متعارضتين:

رغبة في المواجهة… وخوف من الانكشاف.


هذا الصراع (Conflict) يُعدّ أحد جذور القلق الأساسي.

ج. اضطرابات الشخصية

الدراسات الحديثة تشير إلى أن تراكم الأسرار المكبوتة منذ الطفولة يرتبط بارتفاع احتمالية ظهور:


  • علاقات غير مستقرة
  • صعوبة في الثقة
  • تذبذب عاطفي
  • فراغ داخلي
  • غضب بلا تفسير


٥. لماذا يخفي الإنسان أسراره؟

تشير نظرية الوصمة Stigma Theory إلى أن الإنسان يخشى الحكم الاجتماعي، فيلجأ إلى إخفاء:


  • مشاعره
  • رغباته
  • تجاربه
  • أخطائه


وكلما زاد الشعور بالعار، زادت عملية الكبت، وبالتالي ارتفع مستوى الاضطراب النفسي.


كما تذكر Brene Brown في دراساتها حول الخزي أن “ما يُدفن بصمت… يعود كقلق”.


٦. ماذا يحدث لو تُرك السر المكبوت سنوات طويلة؟

الأبحاث العلاجية توضح:


  • السر يتحول إلى حِمل ذهني يرافق الفرد خلال يومه.
  • يتطور إلى أعراض جسدية نفسية (Somatic Symptoms):

  • ألم المعدة
  • الشد العضلي
  • الصداع

  • يصبح الشخص أكثر حساسية تجاه الرفض
  • ويعيش في نمط “المراقبة الذاتية المستمرة”



وهذا بالضبط ما يجعل كثيرًا من الناس “يتصرفون بشكل قلق، أو متوتر، أو يعيدون الأشياء عشرات المرات”… رغم أنهم لا يدركون السبب الحقيقي.

not found