أنا… وضدّي :الفكرة الجوهرية للصراع الداخلي

25 نوفمبر 2025
Awatif alshmrani
أنا… وضدّي :الفكرة الجوهرية للصراع الداخلي

يقدّم كارل يونغ تفسيرًا دقيقًا لطبيعة السلوك الإنساني، يقوم على أن الفرد لا يتحرك بوصفه ذاتًا واحدة متجانسة، بل بوصفه بنية نفسية متعددة المستويات. هذه المستويات—بحسب يونغ—تتكوّن من الأنا (الوعي)، واللاوعي الشخصي، واللاوعي الجمعي.

وعندما يتعرّض الإنسان لأي مثير أو موقف، فإن الاستجابة لا تأتي من طبقة واحدة، بل من تفاعل هذه المستويات في اللحظة نفسها.


الأنا تمثل الوعي الحالي:

ما يعرفه الفرد، وما يفكر فيه، وما يقرره منطقيًا.


أما اللاوعي الشخصي، فيحتفظ بالمحتوى المكبوت:

الخبرات القديمة، الدفاعات، الاستجابات التي تكوّنت في الطفولة، والصور النفسية المرتبطة بالخوف، والرفض، والنبذ.


وهناك مستوى أعمق هو اللاوعي الجمعي، الذي يحوي البنى البدائية والصور الأساسية التي يشترك فيها البشر.


الفكرة الجوهرية في نموذج يونغ هي أن هذه المستويات لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتداخل باستمرار. ولذلك، فإن السلوك الفعلي للفرد في لحظة معينة يكون نتاجًا لمعادلة نفسية معقدة، وليس قرارًا واعيًا منفردًا.


عندما يستجيب الإنسان بغضب، أو انسحاب، أو تجنّب، فهو لا ينفّذ قرارًا واحدًا اتّخذه وعيه، بل يخضع لمزيج من:

• محتوى وعيه الحالي،

• وتأثير صور الطفولة،

• وتفعيل الدفاعات القديمة،

• وتحرّك “الظلّ” الذي يمثّل الجوانب التي يرفضها الفرد في نفسه.


يسمّي يونغ هذا التفاعل دينامية الأضداد؛ أي الحركة المستمرة بين قوتين نفسيّتين:

قوة الوعي التي تحاول توجيه السلوك،

وقوة اللاوعي التي تعيد إنتاج الأنماط القديمة.


وعندما تتعارض هاتان القوتان، يظهر السلوك المتناقض أو التردد أو الميل إلى تكرار الأخطاء.

ليس لأن الفرد لا يعرف ما يفعل، بل لأن اللاوعي يسبق الوعي في الاستجابة، ويطلق ردود فعل تكوّنت قبل سنوات طويلة.


التحوّل النفسي يبدأ عندما يدرك الفرد طبيعة هذا التفاعل.

فعندما يميّز بين ما يصدر عن وعيه الحالي، وبين ما يصدر عن “ظله” القديم، يتراجع تأثير المحتوى اللاواعي، ويصبح السلوك أكثر اتساقًا ونضجًا.

ويصف يونغ هذه اللحظة بأنها بداية التفرد (Individuation)، أي تكوّن الشخصية المتماسكة التي تقودها ذات واعية وليست مقيّدة بأنماط الماضي.


خلاصة الفكرة:

السلوك الإنساني ليس فعلًا بسيطًا نابعًا من “أنا واحدة”، بل نتيجة صراع وتوازن بين مستويات النفس.

وفهم هذا التوازن هو ما يمنح الإنسان القدرة على السيطرة على نفسه بدلًا من أن يكون أسيرًا للمحتوى المكبوت.


عواطف الشمراني

ماجستير علم الاجتماع

باحثة في السلوك والوعي


not found