العقل الذي يخلق معاناتنا

8 مارس 2026
Awatif alshmrani
العقل الذي يخلق معاناتنا

بقلم: عواطف الشمراني


يُعدّ العقل البشري أحد أكثر الأنظمة المعرفية تعقيدًا في الطبيعة؛ فهو ليس مجرد أداة للتفكير، بل منظومة متكاملة من العمليات المعرفية التي تشمل التحليل، والمقارنة، والتقييم، والتخطيط، والتذكر، والتخيّل. ومن خلال هذه العمليات يستطيع الإنسان تفسير الأحداث، وفهم العالم من حوله، والتنبؤ بالمستقبل، واتخاذ القرارات التي تنظّم حياته الفردية والاجتماعية. وقد مكّنت هذه القدرة المعرفية الإنسان عبر التاريخ من بناء الحضارات، وتطوير المعرفة، وصياغة القواعد التي تنظّم سلوك المجتمعات.


غير أن هذه القدرة المعرفية تحمل مفارقة مهمة؛ فالعقل الذي يساعد الإنسان على التكيّف والبقاء يمكن أن يتحول في بعض الأحيان إلى مصدر للمعاناة النفسية. فالعقل لا ينتج فقط الأفكار المفيدة، بل ينتج أيضًا أفكارًا نقدية وسلبية ومخاوف وتوقعات قد لا تكون دقيقة. ولذلك فإن فهم طبيعة العقل وكيفية عمله يمثل خطوة أساسية في فهم السلوك الإنساني والاضطرابات النفسية.


طريقتان يعمل بهما العقل


من الناحية التحليلية يمكن القول إن العقل يعمل بطريقتين أساسيتين:


1. العقل كأداة للفهم والتنظيم


في هذا الجانب يعمل العقل بطريقة وظيفية ومفيدة، حيث يساعد الإنسان على:

• تحليل المعلومات وفهمها

• التخطيط للمستقبل

• التعلم من التجارب السابقة

• حل المشكلات

• تطوير القواعد التي تنظّم السلوك الاجتماعي


في هذه الحالة يصبح العقل أداة أساسية للتكيف مع الحياة. فعندما يستخدم الإنسان عقله للتخطيط لأهدافه، أو لتنظيم وقته، أو لاتخاذ قرارات عقلانية، فإنه يوظف قدراته المعرفية بطريقة صحية تساعده على التقدم والنمو.


2. العقل كمصدر للمعاناة النفسية


على الجانب الآخر، قد يستخدم العقل قدراته المعرفية بطريقة تزيد من معاناة الإنسان النفسية. فالعقل يمتلك قدرة كبيرة على:

• استرجاع الذكريات المؤلمة

• إعادة تحليل الأخطاء الماضية

• المقارنة السلبية مع الآخرين

• توقع أسوأ السيناريوهات المستقبلية

• إصدار أحكام قاسية على الذات


في هذه الحالة يتحول التفكير من أداة للفهم إلى مصدر للضغط النفسي، خصوصًا عندما يبدأ الإنسان في تصديق أفكاره السلبية دون فحصها أو مراجعتها.


الجانب المظلم للعقل


يُطلق بعض الباحثين في علم النفس على هذه الظاهرة اسم الجانب المظلم للعقل. ويشير هذا المفهوم إلى ميل العقل البشري إلى إنتاج أفكار نقدية أو تشاؤمية نتيجة وظيفته التطورية في اكتشاف الأخطار والمشكلات. فالعقل تطور أساسًا ليحمي الإنسان من المخاطر، ولذلك يميل إلى التركيز على التهديدات والأخطاء أكثر من تركيزه على النجاحات.


هذا الميل قد يكون مفيدًا في بعض السياقات، مثل تجنب المخاطر أو الاستعداد للتحديات. لكنه قد يصبح مصدرًا للمعاناة عندما يتحول إلى نمط دائم من التفكير السلبي، مثل:

• جلد الذات المستمر

• تضخيم الأخطاء الشخصية

• التركيز المفرط على الماضي

• القلق المستمر بشأن المستقبل


عندما يحدث ذلك، قد يشعر الإنسان وكأن عقله يعمل ضده، رغم أن المشكلة في الحقيقة ليست في العقل نفسه، بل في طريقة العلاقة التي يبنيها الفرد مع أفكاره.


الالتحام المعرفي بالأفكار


في إطار علاج القبول والالتزام (ACT) يظهر مفهوم مهم يُعرف بـ الالتحام المعرفي بالأفكار. يشير هذا المفهوم إلى الحالة التي يندمج فيها الإنسان مع أفكاره إلى درجة يتعامل معها وكأنها حقائق مطلقة.


عندما يحدث هذا الاندماج، تصبح الأفكار قادرة على التأثير المباشر في مشاعر الإنسان وسلوكه. فعلى سبيل المثال، إذا خطرت في ذهن شخص فكرة مثل: “أنا شخص فاشل”، فقد يبدأ في تجنب التحديات أو التقليل من طموحاته، ليس لأن هذه الفكرة حقيقة، بل لأنه تعامل معها كما لو كانت حقيقة.


المشكلة هنا لا تكمن في وجود الفكرة نفسها، بل في درجة التصديق والاندماج معها.


الإدراك المعرفي ومحتوى التفكير


يشير مصطلح الإدراك المعرفي إلى جميع مخرجات التفكير البشري، بما في ذلك:

• المعتقدات

• الأفكار

• الذكريات

• الصور الذهنية

• التوقعات

• القواعد الداخلية التي يضعها الإنسان لنفسه


هذه العناصر تشكّل الإطار الذي يفسّر الإنسان من خلاله تجاربه اليومية. وعندما يصبح هذا المحتوى المعرفي مسيطرًا على السلوك إلى درجة يقيّد فيها قدرة الإنسان على اتخاذ قرارات مرنة، فإن ذلك قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية مختلفة.


مرونة العلاقة مع الأفكار


لا يسعى العلاج النفسي إلى إيقاف التفكير أو القضاء على الأفكار السلبية، لأن ذلك يتعارض مع طبيعة العقل البشري. بل يركز على تطوير مهارة ملاحظة الأفكار دون الاندماج الكامل معها. عندما يتعلم الإنسان أن يرى أفكاره كأحداث عقلية مؤقتة وليست حقائق مطلقة، يصبح أكثر قدرة على اختيار سلوكاته بناءً على قيمه وأهدافه، لا على الأفكار العابرة التي ينتجها العقل.





غير موجود